(إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا)

خطب الجمعة
 
 
الاستغلال الأمثل للعمر
شبكة الحقيقة - 2010/01/04 - [عدد القراء : 22]
 

الاستغلال الأمثل للعمر

بسم الله الرّحمن الرّحيم

 

الحمد لله الواحدِ الأحد ، الفردِ الصمد ، القادرِ العليمِ الحكيمِ ، تقدّس وتعالى عن صفات المخلوقين ، ذي الجلال والإكرام ، والإفضالِ والإنعامِ ، الذي له الأسماء الحسنى والأمثالُ العليا ، والحكمةُ البالغةُ ، والمشيئةُ النافذةُ ، والإرادةُ القاهرةُ ، ليس كمثله شيءٌ وهو السميعُ البصيرُ ، لا تدركهُ الأبصارُ وهو اللطيفُ الخبيرُ ، الحمد لله ذي القدرةِ والسّلطانِ والرأفةِ والامتنان ، أحمدهُ على تتابعِ النّعمِ ، وأعوذ به من العذاب والنّقم ، وأشهد أن لا إله إلاّ وحده لا شريك له ، خالقُ كلِّ شيء ، ومالكُ كلِّ شيءٍ وجاعلُ كلِّ شيءِ ، ومحدثُ كلِّ شيءٍ ، وربُّ كلِّ شيءٍ ، وأشهد أنَّ محمداً صلى الله عليه وآله وسلم عبدهُ ورسولهُ وأمينُه ، قفّى به المرسلين ، وختم به النبيين ، وبعثه رحمةً للعالمين ، صلى الله عليه وعلى آله أجمعين .

عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله عزّ وجل ، فإنها وصية الله لعباده ، حيث قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم : ﴿  يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ  ﴾ ويقول سبحانه وتعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ  ﴾ .

فاتقوا الله عباد الله وأدوا ما افترضه عليكم واجتنبوا عن ما نهاكم عنه اجتهدوا أن لا يراكم الله عزّ وجل حيث نهاكم ولا يفتقدكم حيث أمركم .. وجاهدوا أنفسكم وحاسبوها قبل أن تحاسبوا .. ولا تتركوا للشيطان عليكم سبيلا .

قال رسول الله صلى الله عليه وآله : «لا تزول قدما عبدٍ يومَ القيامةِ حتى يُسأل عن أربعٍ ؛ عن عمره فيما أفناه ، وعن شبابِهِ فيما أبلاه ، وعن مالِه من أين كسبه وفيما أنفقه ، وعن حبنا أهل البيت» .

في هذا الحديث الشريف يُخبرنا النبي الأكرم صلى الله عليه وآله أنّ هناك أموراً أربعةً لا بد وأن يسأل عنها العبدُ يومَ القيامة وهي :

(1) عن عمره فيما أفناه .

(2) عن شبابه فيما أبلاه .

(3) عن ماله من أين كسبه وفيما أنفقه .

(4) وعن حبّ أهل البيت عليهم السلام .

فأول أمرٍ يذكره هذا الحديث من الأمورِ التي يُسأل عنها العبدُ يومَ القيامةِ هو أنّه يسأل عن عمره فيما أفناه ، وعُمُرُ الإنسانِ ، هو الفترة التي يعيشها في هذه الحياة الدنيا من يوم ولادته وإلى يوم وفاته ، فإذا ما استثنينا فترة ما قبل التكليف – وهي من يوم الولادة وإلى يوم البلوغ – فإن الفترة التي يسأل العبد عنها من عمره هي الفترة من يوم التكليف وإلى يوم الوفاة .

وعُمُرُ الإنسانِ رأسُ مالٍ عنده عليه أن يستغله الاستغلالَ الأمثلَ ، فعليه أن يقضي عمره في فعل وممارسة كلِّ عملٍ صالحٍ ومفيدٍ ، في كل عملٍ يكسبه رضا الله سبحانه وتعالى ، فمن يفعل ذلك يكون قد استغل رأسَ ماله هذا استغلالاً صحيحاً سليماً ، أما من يقضي عمره في اللهو واللعب وفي ممارسة الأعمال والأفعال غير المفيدةِ والمثمرةِ وفي معصيةِ الله سبحانه وتعالى فإن مثل هذا العبد يكون قد ضيّع رأس ماله هذا ولم يستفد منه استفادةً صحيحةً .

في حديث للإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام يقول فيه : «واجتهدوا أن يكون زمانكم أربعَ ساعات ، ساعةً لمناجاة الله ، وساعةً لأمر المعاش ، وساعةً لمعاشرة الإخوانِ الثقاتِ الذين يعرفونكم عيوبَكم ويخلصون لكم في الباطن ، وساعةً تخلون فيها للذاتكم في غيرِ محرّمٍ ، وبهذه الساعةِ تقدرون على الثلاثِ الساعاتِ» .

إن الإمام الرضا عليه السلام يعطينا من خلال قوله هذا البرنامج الذي ينبغي علينا أن نقسّم وقتنا على حسبه ووفقه ، يقول عليه السلام : «واجتهدوا أن يكون زمانُكم أربعَ ساعات : ساعة لله لمناجاته ... » أي أبذلوا قصارى جهدِكم لتقسّموا وقتَكم إلى أربعة أقسام ، قسم عليكم تخصيصه لمناجاة الله سبحانه وتعالى ، أي لأداءِ وفعلِ العبادةِ كالصلاةِ اليومية والنوافلِ والدعاءِ وقراءةِ القرآنِ وما شاكل ذلك .

فإننا لو أعطينا كلَّ قسمٍ من هذه الأقسام من ساعات اليومِ والليلةِ ما يتساوى به مع الأقسامِ الأخرى لوجدنا أن نصيبَ كلِّ قسمٍ من هذه الأقسام من ساعات اليوم والليلةِ ستُّ ساعات ، فهل أحدُنا يقضي ستَّ ساعات في الصلاة والدعاء والمناجاة وقراءةِ القرآن ؟ أبداً ، فإننا إذا نظرنا إلى حالِ أغلبِ الناسِ بالنسبة لهذا الأمر فإننا نجد أن الوقت المخصص له لا يتعدى الساعةَ الواحدةَ أو قد يكون عند البعض أقلَّ من ذلك بكثير .

طبعاً ليس المراد أن نعطي كل قسمٍ من هذه الأقسام العددَ من الساعات التي يتساوى مع الأقسام الأخرى ، ولكن علينا أن نكون معتدلين دون إفراطٍ أو تفريطٍ ، فمثلاً بالنسبة للوقت الذي يقضيه الإنسان في العبادة ينبغي أن يكون أكبرَ مما يقضيه فعلاً أغلبُ الناس لذلك ، حيث أن الإنسانَ يحتاج إلى تغذية الجانبِ الروحي كما يغذي الجانبَ الجسدي ، فالإنسان ليس جسداً فقط بل هو مكونٌ من جانبين ، جانب مادي وجانب معنوي ، وكلا الجانبين يحتاج إلى غذاء فالجانب المادي غذاؤه الأكل والشرب ، أما الجانب الروحي فغذاؤه يتحقق من خلال ممارسة العبادة من صلاةٍ وصومٍ ودعاءٍ وقراءةِ القرآن وغيرها من العبادات الأخرى ، وكلما فعل العبدُ العبادةَ ومارسها بإتقان وبشكلٍ واسعٍ كلما قوي الجانبُ المعنوي لديه وزاد إيمانه وتقواه .

ويقول الإمام الرضا عليه السلام : «... وساعة لأمر المعاش ... »أي على الإنسان المسلم أن يخصص وقتاً من يومه وليلته لكسب الرّزق والسعي في مناكب هذه الأرض وذلك بهدف توفير ما يحتاجه من معاش له ولعياله ومن تجب نفقته عليه من مأكل وملبس ومشرب وغيرها من الاحتياجات الضرورية والكمالية .

أيها المؤمنون : إن المجتمعات الإنسانية نادراً ما تخلو من وجودِ ظاهرتين تتعلقان بهذا الموضوع ، أعني موضوعَ السعي لطلب المعاش وتوفيرِ الفرد الاحتياجات الضرورية والكمالية له ولمن يعول ، وهاتان الظاهرتان هما :

(1) ظاهرةُ التفريط في السعي لطلب الرزق والكد على النفس والعيال ، حيث نجد بعض الأفراد لا يبذلون أدنى جهد ولا يصرفون شيئاً من وقتهم لذلك ، بل تجده خاملاً كسلاناً لا يمارس أي عمل أو وظيفة ، ويعتمد على الآخرين في توفير احتياجاته واحتياجات أسرته ومن يعولهم ، ومثل هؤلاء الأفراد مورد ذم من قبل الشريعة الإسلامية ، ففي الرواية عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام أنه قال : «كفى بالمرء إثماً أن يضيّع من يعول» .

وفي رواية عن النبي صلى الله عليه وآله : «ملعون ملعون من ضيّع من يعول» .

إن الإسلام يحث المسلم على العمل لكسب القوت وتوفير احتياجاته واحتياجات عائلته ففي الرواية عن النبي صلى الله عليه وآله قال : «من بات كالاً من طلب الحلال بات مغفوراً له» .

(2) ظاهرةُ الإفراطِ في السعي لطلب المال ، حيث يقضي بعضُ الأفرادِ الوقتَ الكبيرَ من يومهم وليلتهم في السعي لطلبِ المال وجمعِه وتخزينِه مع أنه ليس بحاجةٍ ماسةٍ للمال ليصرف في طلبه الوقت الكبير ، فإنّ لديه ما يكفيه ويكفي من يعول لسنواتٍ بل بعضهم لديه ما يكفيه لمدى الحياة ويزيدُ على ذلك ، يدفعه لذلك الحرص والطمع والجشع وحب المال .

وذلك يكون على حسابِ الأمورِ الأخرى التي ينبغي للمسلم أن يصرف جزءاً من وقته فيها مثل العبادة والحضور إلى مجالس العلم والذكر وزيارة الأصدقاء والأرحام وتربية الأبناء وغيرها ، وأيضاً على حساب الوقت الذي ينبغي للمسلم أن يصرفه في العمل الإسلامي والنشاط الديني وغير ذلك .

إن مثل هؤلاء الأشخاص أيضاً مورد ذم من قبل الشريعة الإسلامية ، فعن النبي صلى الله عليه وآله : «ما ذئبان جائعان أرسلتَهما في غنم بأفسدَ لها من حرصِ المرءِ على المالِ والسرفِ لدينه» .

ويقول الإمام الرضا عليه السلام : «... وساعة لمعاشرة الإخوان الثقاة الذين يعرفونكم عيوبكم ويخلصون لكم في الباطن ... ».

أي عليكم أن تخصصوا وقتاً لزيارة الإخوان والأصدقاء والأصحاب والجلوس معهم والتحدث إليهم ، حيث لا بد للإنسان من أشخاص يجلس معهم ويتحدث إليهم ويسامرهم فذلك مما يفرج عنه الهم والغم ويذهب عنه الحزن ويزيد في توثيق عرى المحبة والود بين أفراد المجتمع المسلم ، وقد ورد في الروايات المروية عن الأئمة الطاهرين من أهل البيت عليهم الصلاة والسلام الحث الأكيد على زيارة الأخوان وأن لذلك جزءاً عظيماً وثواباً جزيلاً عند الله سبحانه وتعالى ، ففي الرواية عن الإمام الباقر عليه السلام أنه قال : «أيُّما مؤمنٍ خرج إلى أخيه يزوره عارفاً بحقّه كتب الله له بكل خطوة حسنة ، ومحيت عنه سيئة ، ورفعت له درجةٌ فإذا طرق الباب فتحت له أبواب السماء فإذا التقيا وتصافحا وتعانقا أقبل الله عليهما بوجهه ثم باهى بهما الملائكة ، فيقول : انظروا إلى عبْديَّ تزاورا وتحابا فيَّ ، حق علي أن لا أعذبهما بالنار ، بعد ذا الموقف» .

والإمام الرضا عليه السلام في قوله السالف يحث على الجلوس مع من تتوفر فيهم سمات معينة لا مع أي شخص ، فلا بد أن يكون هؤلاء من الثقاة ، من أهل الصدق في الفعل والقول ، وأن يكونوا مرآة لمن يؤاخيهم ويصادقُهم يظهرون له عيوبه ويدولونه عليها لكي يحاول التخلص منها ، وأن يكونوا من المخلصين لصاحبهم وصديقهم في السر والعلن والظاهر والباطن .

إن الشريعة الإسلامية توجه الفرد المسلم إلى اختيار الأشخاص الذين يجالسهم ويصاحبهم ويصادقهم ويتخذهم أخلاء ، فيختار الأفراد الصالحين المؤمنين ، ففي الرواية عن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال : «من دعاك إلى الدار الباقية وأعانك على العمل فهو الصديق الشقيق ».

وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وآله فقيل له : يا رسول الله ، أي الجلساء خير ؟ قال : «من ذكركم بالله رؤيتُهُ ، وزادكم في علمكم منطقُهُ ، وذكركم بالآخرة عملُهُ» .

فعلى المسلم أن يجالس الأشخاص الذين تزيد مجالستهم في إيمانه وتقواه وورعه والذين يعينونه على فعل العمل الصالح ، ويبتعد عن مجالسة ومصاحبة أصحاب الفسق والفجور الذين يجرون صاحبهم وصديقهم إلى ارتكاب المعاصي واقتراف الذنوب ويشجعونه عليها ، ففي الرواية عن النبي صلى الله عليه وآله قال : «مثل الجليس الصالح ومثل جليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير فحامل المسك إما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحا طيبة ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحا خبيثة» .

وفي يوم القيامة يتبرأ الأصحاب والأخلاء والأصدقاء الذين تصاحبوا في هذه الحياة على الكفر والنفاق والفجور والفسق من بعضهم البعض ، وتنقطع علاقة الخلة والصداقة والصحبة بينهم إلاّ المؤمنين ، الذين تصادقوا وتصاحبوا في الله ولله سبحانه وتعالى فإن هؤلاء لا تنقطع علاقة الصحبة والصداقة والخلة بينهم ، يقول تعالى : ﴿ الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ ﴾ .

ويقول الإمام الرضا عليه السلام : «... وساعة تخلون فيها للذاتكم في غير محرّم ، وبهذه الساعة تقدرون على الثلاث الساعات» .

أي عليكم أن تخصصوا وقتاً من يومكم وليلتكم للذائذكم للأكل والشرب والنوم والترويح عن النفس بوسائل الترويح المشروعة ...

وللحديث بقية

نسأل الله أن يجعلنا من السائرين على نهجه والمتبعين لكتابه وسنة نبيه محمد بن عبد الله والأئمة الطاهرين من أهل بيته عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام ونسأله سبحانه أن يوفقنا لمراضيه ويجنبنا معاصيه ، وأن يغفر لنا ولوالدينا وللمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات ، ونسأله سبحانه وتعالى أن ينصر الإسلام والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها على أعدائهم أعداء الدين ، اللهم معتقَ الرقاب وربَّ الأرباب ومنشئ السحاب ومنزلَّ القطر من السماء إلى الأرض بعد موتها ، فالقَ الحب والنوى ومخرجَ النبات وجامعَ الشتات صل على محمد وآل محمد واسقنا غيثا مغيثا مغدقا هنيئا مريئا ، تنبت به الزرع وتدرُّ به الضرع وتحيي به مما خلقت أنعاما وأناسي كثيرا ... آمين يا رب العالمين .

اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه الطاهرين في هذه الساعة وفي كل ساعة ولياً وحافظاً ودليلاً وعينا ، حتى تسكنه أرضك طوعا وتمتعه فيها طويلا .

 

 
شارك بتعليقك حول هذا الموضوع
الاسم
التعليق
من
 
جميع التعليقات خاضعة للمراقبة ، تجنباً للمشاركات الهدامة !