المال .. البنون .. العمل الصالح
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، الحمدُ للهِ الذي علا بحولِه ، ودنا بطولِه ، مانِحِ كلِّ غنيمةٍ وفضل ، وكاشفِ كلِّ عظيمةٍ وأزْل ، أحمدُهُ على عواطفِ كرمه ، وسوابغِ نعمه ، وأُمِنُ به أولاً بادياً ، وأستهديه قريباً هادياً ، وأستعينُهُ قادراً قاهراً ، وأتوكلُ عليه كافياً ناصراً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ؛ ملكُ الملوك وسيدُ السادات وجبارُ الأرضِ والسماوات ، الواحدُ القهارُ الكبيرُ المتعال ، ذو الجلال والإكرام ، ديّانُ يوم الدين ، ربُنا وربُّ آبائنا الأولين ، وأشهد أنّ محمداً صلى الله عليه وآله عبدُهُ ورسولُهُ ، أرسلَهُ لإنفاذِ أمره ، وإنهاءِ عُذْرِهِ وتقديم نُذُرِه .
عبادَ الله : أوصيكم ونفسي بتقوى الله عزّوجل فإنها خيرُ الزّاد ليوم المعاد ، قال تعالى : وَتَزَ﴿ وَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ وهي وصية الله لعباده يقول تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾.
وهذا الحقُّ سبحانه وتعالى يخبرنا في كتابه المجيد أنّه إنّما أعدَّ الجنةَ للمتقين ، فقال سبحانه : ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ ويخبرنا أن لا نجاةَ من النار إلاّ بالتقوى : ﴿ وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّا ﴾ ، فأدّوا عبادَ الله ما افترضه اللهُ سبحانه عليكم واجتنبوا عن ما نهاكم عنه .
قال الإمامُ أميرُ المؤمنين عليُّ بنُ أبي طالب عليه السلام : «إن ابنَ آدم إذا كان في آخر يومٍ من أيام الدنيا وأولِّ يوم من أيام الآخرة مثل له مالهُ وولدهُ وعملُه ، فيلتفت إلى ماله فيقول : والله إني كنت عليك حريصاً شحيحاً فما لي عندك ؟ فيقول : خذ مني كفنك ، قال : فيلتفت إلى ولده فيقول : والله إني كنت لكم محامياً فماذا عندكم ؟ فيقولون : نؤديك إلى حفرتك ونواريك فيها ، قال : فيلتفت إلى عمله فيقول : والله إني كنت فيك لزاهداً وأنْ كنت علي لثقيلاً فماذا عندك ؟ فيقول أنا قرينك في قبرك ويوم نشرك حتى أعرض أنا وأنت على ربك ... » .
إن الإمامَ أميرَ المؤمنين عليه السلام يبين لنا في حديثه هذا لسانَ حالِ المالِ والأولادِ والعملِ بالنسبة للإنسان عند ساعة موته ووقت رحيله من هذه الحياة الدنيا ... فكأنما الإنسانُ يخاطب المالَ الذي بحوزته ، والذي قد جمعه في حياته ، فيقول له ماذا تقدم لي في هذه الساعة وأنا راحلٌ عن هذه الدنيا ؟ فيأتيه الجوابُ من المال أنه كلُّ ما بإمكاني أنْ أقدمَه لك هو أن يشترى لك ببعضي كفناً لا أكثر من ذلك ، فالمال الذي كان الإنسانُ في جمعه حريصاً وفي صرفه شحيحاً بخيلاً لا يقدم للإنسان شيئاً إلا ثمنَ الكفن أما الباقي فينتقل إلى الورثة .
وكأنّه يخاطب أبناءَه فيقول لهم إنني الآن راحلٌ عنكم ومنتقلٌ من عالم الدنيا ولقد كنت عنكم مدافعاً ولكم محبّاً فماذا تقدمون لي ؟ فيأتيه الجواب منهم أن أكثر ما يمكن أن نقدمه لك هو أن نوصلك إلى حفرتك ونَدْفِنَكَ فيها .
ثم وكأنه يخاطب عمله الصالح ، فيسأله ويقول له ماذا تقدم لي الآن وأنا في هذه الحال فيجيبه عمله الصالح أنا رفيقك في قبرك إلى أن نقف أنا أنت بين يدي الله .
فالذي ينفعُ الإنسانَ من بعد موتِهِ هو عملُهُ الصالح ، فهو الذي يكون قرينه في قبره ، والمؤنس له في وحشته وغربته ، وهو المدافع عنه يوم يقف للحساب بين يدي الله عزّ وجل ... يقول تعالى في كتابه المجيد : ﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً ﴾ ويقول عز وجل أيضاً :﴿ يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾.
إن المالَ قد يكون نقمةً على الإنسانِ إذا جمعه من الحرام ومن الطرق والوجوه التي يحرم اكتساب المال منها ، أو إذا لم يؤدي الحقَّ الواجبَ فيه ، من الزكاة أو الخمس ، فإن هذا المالَ يتحولُ يومَ القيامة إلى نار يحرق صاحبه يقول تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لانْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُون ﴾ .
إن من الطرق التي يمتحن اللهُ عزّ وجل بعضَ عبادِه من خلالها هو المال ، يقول تعالى : ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ ، فمن يؤدي الحقوقَ الشرعيةَ الواجبةَ في ماله ولم يولد المالُ لديه الكبر وما شاكل ذلك من الصفات الذميمة فإنه يكون قد نجح في الاختبار ، أما من لا يؤدي الواجبات الشرعية في ماله ، أو يولد المال عنده الكبر والتعالي والترفع والبطر وما شابه هذه الخصالَ السيئةَ فإنه يكون قد رسب في هذا الامتحان .
والراسبون والساقطون وغيرُ الناجحين في امتحان المال كثيرون وكثيرون جداً ، لأن الإنسانَ مجبولٌ على حب المال ، فكم من شخص يلتزم بالصلاة والصوم والحج وغيرها من العبادات بل ويلتزم حتى بممارسة المستحبات ، لكنه في قضايا المالِ بعيدٌ كلَّ البعد عن الالتزام بالأوامر والتكاليفِ الإلهية الخاصةِ بها .
فالبعضُ يمتنع عن إخراج الحقوقِ الشرعيةِ من ماله خوفاً من نقصانِهِ أو من أن يصيبَه الفقرُ وهذه كلها من الوساوسِ الشيطانيةِ ، فالله عزّ وجل يقول : ﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾، فالشيطانُ هو الذي يوحي للإنسان بهذه الأمورِ كي يوقعه في المعصيةِ أو يمنعه من الحصولِ على الثوابِ والحسنات ، وعلينا بدل أن نستمعَ إلى إيحاءات الشيطان ووساوسَهُ أن نستمع إلى وعدِ الله عز وجل وهو الذي لا يخلف وعدَه ، الصريحِ في أن إنفاقَ المالِ في سبيلِ اللهِ عز وجل موجبٌ لنمائه وتكثره ، وسببٌ في الحصول على الثواب الجزيل ، يقول تعالى في محكم كتابه المجيد : ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ كذلك يمكن للعبد أن ينتفع من أنبائه حتى بعد موته وذلك إذا كان هؤلاء الأبناءُ أبناءً صالحين ، فإن أي عمل صالحٍ يعمله هؤلاء الأبناء – وكان لتربية الأبوين في دفعهما للقيام بهذا العمل أثرٌ – فإن الوالدين يشاركان الأبناء في ثواب هذا العمل ، ففي الرواية عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله أنه قال : «مر عيسى ابنُ مريم عليه السلام بقبرٍ يعذب صاحبُهُ ، ثم مر به من قابل ، فإذا هو لا يعذب ، فقال : يا رب مررت بهذا القبرِ عامَ أول ومررت به العامَ فإذا هو ليس يعذب ؟ فأوحى الله إليه أنّه أدرك له ولدٌ صالحٌ فأصلح طريقاً وآوى يتيماً فلهذا غفرت له» .
فيستفاد من هذه الرواية أن العملَ الصالحَ الذي يعمله الأبناءُ ينعكس أثرهٌ على الآباءِ أيصاً ، فيشاطرون الأبناءَ الجزاءَ والثوابَ على هذا العمل .
أيها العبد المؤمن : إذا أردت أن لا ينقطعَ عملُك من بعد موتك فعليك بتنشئة أبنائِك تنشئةً إسلاميةً ، وتربيهم تربيةً صحيحةً ، عليك أن تهتمَ بهم وتربيهم وفقَ المنهجِ الإسلامي ، تغرس في نفوسهم العقيدةَ الصحيحةَ ، وتعلمهم الفرائضَ والواجبات وأحكامَها ، كأحكام الصلاةِ والصومِ وغيرها من الفرائض والواجبات وتقوم بواجب الأمرِ بالمعروفِ والنهي عن المنكرِ تجاههم ، فتأمرهم بالمعروف إذا ما تركوا معروفاً وتنهاهم عن المنكر ما فعلوا منكراً ، وتنشئهم وتربيهم وتروضهم على الأخلاق الفاضلةِ الحميدةِ ، والسجايا والخصالِ النبيلةِ ، كالصدقِ والأمانةِ ، وتوفيرِ الكبيرِ والعطفِ على الصغيرِ ، والعفوِ والصفحِ عن المسيء ، ومساعدةِ المحتاجين وشكرِ المحسن ، وتكون في كل ذلك قدوةً حسنةً لهم .
ومن المهم جداً على الآباءِ منعَ أبنائهم من معاشرةِ القرناءِ المنحرفين وتوجيههم إلى مصاحبةِ الأشخاصِ الصالحين ، لأن المرءَ يتأثر بمن يصاحبهم ويصادقهم فيكتسب من أخلاقهم وطباعهم ، يقول النبي صلى الله عليه وآله :« المرءُ على دينِ خليلِهِ فلينظر أحدُكم من يخالل »والشواهدُ في مسرحِ الحياةِ كثيرةٌ ، فكم من الأشخاصِ انحرفوا عن الطريقِ القويمِ والصراطِ المستقيمِ وانغمسوا في الفسادِ والرذيلةِ لتأثرهم بقرناءِ وأصدقاءِ السوءِ .. ففي الرواية عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال : «إنما مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ منه وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ منه رِيحًا طَيِّبَةً وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً» .
فالأبناءُ أمانةٌ وضعها اللهُ تعالى بيد الآباءِ وهم مسؤولون عنها : يقول الإمام السجاد عليه السلام : «وأما حقُّ ولدك فأن تعلم أنه منك ، ومضافٌ إليك في عاجل الدنيا بخيره وشرّه ، وإنك مسئول عمّا وليته من حسنِ الأدبِ ، والدلالةِ على ربّه عزّ وجل ، والمعونةِ على طاعتِهِ ، فاعمل في أمره عملَ من يعلم أنّه مثابٌ على الإحسان إليه ، معاقبٌ على الإساءةِ إليه »
عباد الله : إن الأبناءَ الصالحين لا ينسون أبداً جميلَ الوالدين عليهم ، وإنما يقومون من بعدِ وفاتهما بالدعاء لهما بالمغفرة والرحمة ويمارسون بعض الأعمالِ العبادية ويفعلون بعض المستحبات الدينية ويهدون ثوابها لهما .
في الرواية : «إذا مات ابنُ آدم انقطع عملُهُ إلاّ من ثلاث ، صدقةٍ جاريةٍ ، أو علمٍ ينتفع به ، أو ولدٍ صالح يدعو له » .
والإنسانُ قد ينتفعُ بالمال من بعد موته ، وكذلك ينتفع من أبنائه ، لكن انتفاعَه بالعمل الصالح الذي عمله في هذه الحياة أكبرُ وأكثرُ بكثير ، فالعملُ الذي يعمله في هذه الحياة إن كان صالحاً فإن العبدَ يستأنس به في جميعِ منازلِ الآخرة التي ينزلها ، ينفعُهُ هذا العمل ساعةَ موته ، وفي قبره ، ويومَ يقومُ من قبره ، وعند الميزانِ ، وعند الصراطِ حتى يدخله الجنة ، بعكس العملِ الفاسدِ .
فالعملُ الصالحُ هو الذي يسر العبدَ ويؤنسَهُ من بعد موته ، والعملُ السيئ هو الذي يؤذيه ويزعجه ، ينقل ، أن العلامةَ بهاءَ الملةِ والدينِ والد الشيخ البهائي العاملي رحمة الله عليهما ذهب لزيارة أحدِ المؤمنين وكان هذا المؤمن قيّماً على مقبرة في أصفهان وكان يسكن فيها ، فقال له هذا المؤمن : ( رأيتُ في هذه المقبرةِ قبل اليوم أمراً غريباً وهو أني رأيت جماعةً جاؤوا بجنازة إلى هذه المقبرة ودفنوها وانصرفوا ... وبعد مضي ساعةٍ شممت رائحةً عطرةً ليست من روائح هذه النشأةِ ( الدنيا ) فبقيت متحيّراً أنظر يميناً وشمالاً لأعرف منشأ هذه الرائحةِ العطرةِ ... وفجأة رأيت شاباً وسيماً في زي الملوك يذهب باتجاه ذلك القبر ( الذي دفنت فيه الجنازة المذكورة ) .. مشى حتى وصل إلى القبر .. فتعجبت من مجيئه إلى هذا القبر .. وما أن جلس إلى جانبه حتى اختفى .. وكأنه دخل القبر .. بعد ذلك بفترة وجيزة شممت رائحةً خبيثةً أشدَّ نتناً من أية رائحةٍ نتنةٍ .. نظرت فإذا بي أرى كلباً يقتفي أثر ذلك الشاب حتى وصل إلى القبر واختفى .. وزاد تعجبي .. وفيما أنا كذلك إذا بذلك الشاب يخرج فجأة سيءَ الحالِ .. سيءَ الهيئةِ .. مثخناً بالجراح ورجع من حيث أتى .. ومشيت في أثره ... ورجوتُهُ أن يخبرني بحقيقةِ حاله .
قال : أنا العملُ الصالحُ لهذا الميت .. وكنت مأموراً أن أكونَ معه في القبر .. وفجأة جاء هذا الكلب الذي رأيته وهو عملُهُ غيرُ الصالحِ .. فأردت إخراجه من القبر وفاءً بحق الصحبة للميت فعضني هذا الكلب واقتطعَ بعض لحمي وجرحني كما ترى .. ومنعني من البقاء معه .. فاضطررت لترك القبرِ فخرجت وتركته .. )
نعم هذه هي عقيدتنا أن الأعمالَ تتجسم فالصالحة تكون في صورٍ جميلةٍ مؤنسةٍ والطالحةُ ( السيئة ) تكون في صورٍ قبيحةٍ مؤذيةٍ ... فالعملُ غيرُ الصالح لهذا الشاب باعتبار أنه كان أكثرَ من علمه الصالح فقد نازع العملَ الصالحَ البقاءَ معه في قبره فغلبه ، فهو معه يؤذيه ويزعجه في قبره .. نسأل الله العافية والسلامة وحسن العاقبة .
وينقل أن قيس بن عاصم وفد على النبي صلى الله عليه وآله في جماعة من بني تميم فقال للنبي صلى الله عليه وآله : ( يا نبي الله عظنا موعظة فانا قومٌ نعبر في البرية ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : «إن مع العز ذلاً ، وإن مع الحياة موتاً ، وإن مع الدنيا آخرة ، وإن لكل شئ حسيباً ، وعلى كل شيء رقيباً ، وإن لكل حسنة ثواباً ، ولكل سيئة عقاباً ، ولكل أجل كتاباً ، وإنه لا بد لك يا قيس من قرين يدفن معك وهو حي وتدفن معه وأنت ميت ، فان كان كريماً أكرمك ، وإن كان لئيماً أسلمك ، ثم لا يحشر إلا معك ولا تبعث إلا معه ، ولا تسأل إلا عنه ، فلا تجعله إلا صالحاً فانه إن صلح آنست به ، وإن فسد لا تستوحش إلا منه ، وهو فعلك» )
يقول تعالى في كتابه المجيد : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ﴾ ويقول : و﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾.
أسأل اللهَ العليَّ القديرِ أن يوفقنا لمراضيه ويجنبنا معاصِيَهْ ، ويغفر لنا ذنوبنا ويكفر عنا سيئاتنا ويتوفنا مع الأبرار ، وأن يجعلنا من أهل جنة الفردوس ومن الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، وأسأله سبحانه وتعالى أن يغفر لنا ولوالدينا ولمن وجب حقه علينا ، ولكافة المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات ، الأحياء منهم والأموات ، اللهم اجعلنا من المتبعين لكتابك ، والسائرين على نهجك واجعل القرآن لنا شافعاً مشفّعاً يوم القيامة إله الحق آمين رب العالمين . اللهم عذّب كفرةَ أهلِ الكتابِ والمشركين الذين يصدون عن سبيلك ويجحدون آياتك ويكذبون رسلك ، اللهم خالف بين كلمتهم وألق الرّعب في قلوبهم وأنزل عليهم رجزك ونقمتَكَ وبأسكَ الذي لا تردّه عن القوم المجرمين .
اللهم انصر جيوشَ المسلمين وسراياهم ومرابطهم حيث كانوا في مشارقِ الأرضِ ومغاربها ، إنك على كل شيء قدير .
عباد الله : ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ اذكروا الله فإنه ذكرٌ لمن ذكره ، وسلوه رحمته وفضلَهُ فإنه لا يخيب من دعاه ولا يقطع رجاء من رجاه ... اللهم كن لوليك الحجةِ بنِ الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه الطاهرين في هذه الساعة وفي كل ساعة وليّاً وحافظاً وقائداً وناصراً ودليلاً وعيناً حتى تسكنه أرضك طوعاً وتمتعه فيها طويلا ...