(إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا)

بحوث ومقالات
 
 
حقيقة عبد الله بن سبأ
شبكة الحقيقة - 2010/01/17 - [عدد القراء : 62]
 
حقيقة عبد الله بن سبأ
 
بسم الله الرّحمن الرّحيم
 
إن عبد الله بن سبأ الذي يحاول خصوم الشيعة إلصاقه بهم قد اختلفت أراء الباحثين والمحققين حول شخصيته من حيث حقيقيتها وعدمها وتحديد هويتها ، فذهب البعض إلى أنه شخصية مختلقة لا وجود في الخارج لها ..
قال الدكتور طه حسين : ( إن أمر السبئية وصاحبهم ابن السوداء إنما كان متكلفاً منحولاً قد اخترع بأخرة حين كان الجدال بين الشيعة وغيرهم من الفرق الإسلامية ، أراد خصوم الشيعة أن يدخلوا في أصول المذهب عنصراً يهودياً إمعاناً في الكيد لهم والنيل منهم ) ( علي وبنوه صفحة 518 ) .
وقال الدكتور الأستاذ سهيل زكار محقق كتاب ( المنتظم لابن الجوزي ) في المجلد الثالث من المنتظم هامش صفحة 302 : ( المرجح أن ابن سبأ لم يوجد بالمرّة بل هو شخصية مخترعة ) .
وقال الدكتور عبد العزيز الهلابي الأستاذ في قسم التاريخ بجامعة الملك سعود بالرياض : ( الذي نخلص إليه في بحثنا هذا أن ابن سبأ شخصية وهمية لم يكن لها وجود ، فإن وجد شخص بهذا الإسم فمن المؤكد أنه لم يقم بالدور الذي أسنده إليه سيف وأصحاب كتب الفرق ، لا من الناحية السياسية ولا من ناحية العقيدة ) ( عبد الله بن سبأ صفحة 71 ) .
وقال الكاتب أحمد عباس صالح : ( وهنا يتردد اسم عبد الله بن سبأ وهو شخص كان يهودياً وأسلم ، تصوّره كتب التاريخ على أنه كان الشيطان وراء الفتنة التي قتل فيها عثمان ، بل وراء الأحداث جميعاً ... وقد وقف منه الكتّاب مواقف متعارضة فمنهم من ينكر وجوده أصلاً ، ومنهم من يعتبره أساس كل ما جرى ، بل أساس ما دخل في الإسلام من مذاهب غريبة منحرفة .
وعبد الله بن سبأ شخص خرافي بغير شك ، فأين هو من هذه الأحداث جميعاً ؟ وأين هو من الصراعات الناشئة في هذا العالم الكبير المتعدد ... وماذا يستطيع شخص مهما تكن قيمته أن يلعب بمفرده بين هذه التيارات المتطاحنة ؟
إن الأحداث السريعة العنيفة المتلاحقة لم تكن في حاجة إلى شخص ما حتى ولو كان الشيطان نفسه لأن أصولها بعيدة الغور ، وقوة اندفاعها لا قبل لأحد بالسيطرة عليها أو توجيهها ، فضلاً عن تشابكها وتعددها بما لا يدع لأي قوة أن تزيدها تعقيداً .
وساذج بغير شك التفكير الذي يتّجه إلى خلق شخصية خرافية كهذه ليعطيها أي أثر فيما حدث من أحداث . وأكثر سذاجة منه من يظن لهذا الرجل تأثيراً ما على كبار الصحابة ، ومنهم أبو ذر الغفاري نفسه الذي لم يقبل مناقشة من أبي هريرة المحدث المعروف ، وضربه فشجّه قائلاً في ازدراء : ) أتعلمنا ديننا يا ابن اليهودية ( إنما كل ما حيك من قصص حول عبد الله بن سبأ هو من وضع المتأخرين ، فلا دليل على وجوده في المراجع القديمة فضلاً عن سخافة التفكير في احتمال وجوده أصلاً ) ( اليمين واليسار في الإسلام صفحة 95 ) .
وذهب آخرون إلى أن عبد الله بن سبأ هو نفسه الصحابي الجليل عمار بن ياسر رضوان الله تعالى عليه ، ومن هؤلاء الدكتور كامل مصطفى الشيبي حيث قال في كتابه (الصلة بين التصوف والتشيع صفحة 1/89 ) :
( والسبئية على هذا الأساس فرقة قادها عمار الذي أطلقت عليه قريش ذلك اللقب الرمزي ، وأضافت إلى آرائه في علي مبالغات وأضاليل لتضيف إلى أفكار عمار ما يخرج بها عن المعقول ، ويسلبها قوة الإقناع ، ويقنّعها بقناع الشك والبطلان ، فينصرف الناس عنه وعن آرائه وعن مبدئه في أحقيّة علي وفضله على سائر المسلمين من معاصريه زمن عثمان ) .
ومنهم الدكتور علي الوردي فقد قال في كتابه ( وعاظ السلاطين ) :
( إن ابن سبأ لم يكن سوى عمار بن ياسر ، فلقد كانت قريش تعتبر عماراً رأس الثورة على عثمان ولكنها لم تشأ – في أول ألأمر – أن تصرّح باسمه ، فرمزت عنه بابن سبأ أو ابن السوداء ، وتناقل الرواة هذا الأمر غافلين وهم لا يعرفون ماذا يجري وراء الستار ) ( عن الصلة بين التصوف والتشيع 1/36 ) .
ومنهم الدكتور علي سليمان النشار في كتابه ( تيارات الفكر الإسلامي صفحة 203 ) قال :
( ومن المحتمل أن تكون شخصية عبد الله بن سبأ شخصية موضوعة أو أنها رمزت إلى شخصية ابن ياسر كما فعل الأمويون بكلمة تراب والترابيين ، ومن المحتمل أن يكون عبد الله بن سبأ هو مجرد تغليف لاسم عمار بن ياسر ) .
وهناك من ذهب إلى أن عبد الله بن سبأ هو نفسه عبد الله بن وهب الراسبي وقد حزم بذلك الأشعري في المقالات والفرق حيث قال : ( السبائية أصحاب عبد الله بن سبأ ، وهو عبد الله بن وهب الراسبي الهمداني ) ( المقالات والفرق صفحة 20 ) .
وقال البلاذري في أنساب الأشراف : ( وأما حجر بن عدي وعمرو بن الحمق الخزاعي وحبة بن جوين البجلي ثم العرني وعبد الله بن وهب الهمداني وهو ابن سبأ ، فإنهم أتوا علياً فسألوه عن أبي بكر وعمر ) ( أنساب الأشراف 2/383 ) .
وهناك من ذهب إلى أن ابن سبأ شخصية حقيقية وزعموا صحة ما نسب إليه من مشاغبات ومن إثارة للفتنة وتأليب الناس ضد عثمان بن عفان وغيرها مما ادّعوه عليه ونسبوه إليه من أفكار وعقائد ، ولكن لم يكن لهؤلاء مستند في إثبات هذه الشخصية وما نسب إليها إلاّ روايات سيف بن عمر التميمي ، وسيف هذا زنديق كذاب وضّاع للحديث غير معتمد الرواية ..
قال ابن العجمي في الكشف الحثيث صفحة 131 : ( وكان سيف يضع الحديث وقد اتهم بالزندق ) .
وقال النسائي : ( ضعيف ) ( الضعفاء للنسائي صفحة 50 ، تهذيب التهذيب 4/259 ) .
وقال الأصفهاني في ضعفائه 1/91 : ( متهم في دينه مرمي بالزندقة ساقط الحديث لاشيء ) .
وقال الحاكم : ( اتهم بالزندقة وهو في الرواية ساقط ) ( تهذيب التهذيب 4/259 ) .
وقال ابن حبان : ( يروي الموضوعات عن الأثبات ) ( تهذيب التهذيب 4/259 ) .
وقال ابن معين : ( ضعيف الحديث ) وقال أيضاً : ( فلس خير منه ) ( تهذيب التهذيب 4/259 ) .
وقال أبو داود : ( ليس بشيء ) ( تهذيب التهذيب 4/259 ) .
وقال الدارقطني : ( ضعيف ) ( تهذيب التهذيب 4/259 ) .
ونستطيع أن نجزم بأن شخصية عبد الله بن سبأ بالصورة التي رسمها سيف بن عمر التميمي لها وما أعطاها من أدوار بطولية وحاك حولها من قصص وأساطير ومشاغبات لا وجود لها أصلاً وإنما هي شخصية من مختلقاته ، فقول من قال بوهمية وخرافية واختلاق شخصية ابن سبأ هذه هو الراجح عندنا على جميع الأراء الأخرى ، ونؤكد ذلك بأن ماذكره سيف بن عمر عن هذه الشخصية لم تتعرض له كتب التاريخ الموثوقة التي تعرضت لمسألة الخلاف والأحدات الحاصلة في أيام عثمان بن عفان فلم يذكر ابن سعد المتوفى سنة 230 هـ في طبقاته شيء من ذلك ولا البلاذري المتوفى سنة 279 هـ في ( أنساب الأشراف ) ولا أبو حنيفة الدنيوري المتوفى سنة 290 هـ في الأخبار الطوال ، ولا المسعودي المتوفى سنة 345 هـ في مروج الذهب ولا في التنبيه والاشراف ، ولا ابن قتيبة المتوفى سنة 276 هـ في الإمامة والسياسة ، ولا اليعقوبي المتوفى عام 284هـ في تاريخه ، ولا المبرد المتوفى سنة 285 هـ في كامله ، وغيرهم ، فقد خلت مؤلفات المؤرخين القدامى من ذكر ذلك ، غير الطبري المتوفى عام 310 هـ في تاريخه وعنه أخذ الذين جاؤوا من بعده ممن ذكروا قصة ابن سبأ .
وهذا دليل على أنّ ما نسبه سيف بن عمر لهذه الشخصية من دور كبير في الأحداث والفتنة أيام عثمان بن عفان كله مختلق في وقت متأخر عن ذلك الزمن إذ لو كان ما ذكره صحيحاً وكان له هذا الدور الخطير لما أغفله هؤلاء المؤرخون .
نعم هناك شخصية تحمل هذا الإسم ( عبد الله بن سبأ ) تعرضت لها الروايات الشيعية ولم تذكر عنها شيئاً مما ذكره الطبري في تاريخه سوى أنه غالى في الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فادّعى له الربوبية ولنفسه النبوة ، فعرض عليه أمير المؤمنين التوبة فلم يفعل فأحرقة بالنار ، فقد روى الكشي في رجاله بسنده عن هشام بن سالم أنه قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول وهو يحدث أصحابه بحديث ابن سبأ ، وما ادّعى من الربوبية في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فقال : إنّه لما ادّعى ذلك فيه استتابه أمير المؤمنين عليه السلام فلم يتب فأبى أن يتوب فأحرقه بالنّار ) ( اختيار معرفة الرجال 1/324 ) .
وفيه أيضاً أخرج الكشي بسنده عن أبان بن عثمان قال : ( سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول : لعن الله عبد الله بن سبأ أنّه ادّعى الربوبيّة في أمير المؤمنين عليه السلام وكان والله أمير المؤمنين عليه السلام عبداً لله طائعاً ، الويل لمن كذب علينا ، وأن قوماً يقولون فينا ما لا نقوله في أنفسنا نبرأ إلى الله منهم ، نبرأ إلى الله منهم ) ( اختيار معرفة الرجال 1/324 ) .
وفيه روى الكشي بسنده عن أبي حمزة الثمالي قال : ( قال علي بن الحسين ‘ : لعن الله من كذب علينا ، إني ذكرت عبد الله بن سبأ فقامت كل شعرة في جسدي ، لقد ادّعى أمراً عظيماً ما له لعنه الله ، كان علي عليه السلام والله عبداً صالحاً ، أخو رسول الله ، ما نال الكرامة من الله إلاّ بطاعته لله ولرسوله ، وما نال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الكرامة من الله إلاّ بطاعته الله ) ( اختيار معرفة الرجال 1/324 ) .
وأخرج الكشي في رجالع بسنده عن أبي جعفر عليه السلام ( أن عبد الله بن سبأ كان يدّعي النبوة ويزعم أن أمير المؤمنين عليه السلام هو الله – تعالى عن ذلك - ، فبلغ ذلك أمير المؤمنين عليه السلام فدعاه وسأله فأقر بذلك وقال : نعم أنت هو ، وقد كان ألقي في روعي أنك أنت الله وأني نبي ، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام : ويلك قد سخر منك الشيطان فارجع عن هذا ثكلتك أمك وتب ، فأبى فحبسه ، واستتابه ثلاثة أيام فلم يتب ، فأحرقه بالنار وقال : إن الشيطان استهواه ، فكان يأتيه ويلقي في روعه ذلك ) ( اختيار معرفة الرجال 1/323 ) .
فبإحراق أمير المؤمنين له انتهى أمره ، ولا يبعد أن يكون سيف بن عمر التميمي قد سمع بابن سبأ هذا وغلوّه في الإمام علي عليه السلام ، فاختلق شخصية أخرى من خياله تحمل نفس الإسم ونسب إليها ما نسبه من قصص وأساطير مما ذكره الطبري عنه أو غيره وأعطاها دوراً بطولياً هائلاً في خلق الفتنة وإثارت الأحداث في تلك الحقبة من الزمن ، وجعلها من وراء كل الأسباب التي أدت إلى مقتل عثمان بن عفان ، وذلك تغطية على الأسباب الحقيقية التي أدت إلى إجهاز المسملين عليه وقتله .
وابن سبأ الذي ورد الإشارة إليه في روايات الشيعة ترجم له رجال الجرح والتعديل منهم فأصدروا حكمهم ضدّه حيث حكموا بكفره ولعنه والبراءة منه فقال العلامة الحلي عليه الرّحمة : ( عبد الله بن سبأ غال ملعون ، حرقه أمير المؤمنين عليه السلام بالنار ، كان يزعم أنّ علياً عليه السلام إله وأنه نبي لعنه الله ) ( خلاصة ألأقوال صفحة 372 ) .
ومثل قوله قاله الشيخ حسن بن زين الدين في التحرير الطاوسي صفحة 346 ، والعلامة الأردبيلي في جامع الرّواة 12/485 ، والسيد البروجردي في طرائف المقال 2/96 وقال الأخير : ( ... ونعم ما قاله في المنتهى : عبد الله بن سبأ ألعن من أن يذكر ) .
وقال السيد الخوئي طيب الله ثراه بعد أن نقل بعض الروايات عن بعض الأئمة الطاهرين عليهم السلام المصرّحة بكفر ابن سبأ ولعنهم له : ( فهذه الروايات تدل على أنّه كفر وادّعى الإلوهية في علي عليه السلام لا أنّه قائل بفرض إمامته عليه السلام ، مضافاً إلى أن أسطورة عبد الله بن سبأ وقصص مشاغباته الهائلة موضوعة مختلقة ، اختلقها سيف بن عمر الوضاع الكذاب ، ولا يسعنا المقام الإطالة في ذلك والتدليل عليه ، وقد أغنانا العلامة الجليل والباحث المحقق السيد مرتضى العسكري في ما قدم من دراسات عميقة دقيقة عن هذه القصص الخرافية وعن سيف وموضوعاته في مجلدين طبعا باسم ( عبد الله بن سبأ ) وفي كتابه الآخر ( خمسون ومائة صحابي مختلق ) ( معجم رجال الحديث 11/207 ) .
ثم ( إنّا لا نجد حديثاً واحداً مروياً عنه – عبدالله بن سبأ – في كتب الإمامية ولا قولاً له منقولاً فيها ، ولا سيرة له متبعة ، ولا فتوى له معمولاً بها ، ولا شيئاً في المذهب يمت إليه بصلة ، ولو كان مذهب الشيعة صنيعة عبد الله بن سبأ لكانت آثاره في مذهبهم لائحة ، وأخباره جلية واضحة ، ولكانت أقواله منقولة ، وفتاواه مدونة ، وآراؤه في الفروع والأصول في كتبهم ومصنفاتهم مبثوثة ، فإذا لم يكن شيء من ذلك فكيف يصح نسبة مذهبهم إليه ؟ ) ( عبد الله بن سبأ دراسة وتحليل صفحة 138 ) .
والقول بالوصية لعلي وبفرض إمامته على الأمة ، والرجعة التي يقول بها الشيعة الإمامية الإثنى عشرية وينسب لابن سبأ المختلق أنه كان أول من قال بها ، فإنهم – أي الشيعة – إنما يقيمون على ذلك الدليل من كتاب الله عزّ وجل وأقوال رسوله المصطفى محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وأحاديث عترته الأئمة الطاهرين المعصومين عليهم السلام ، وليس من قول ابن سبأ أو غيره .
فهذا محمد كرد علي يقول في كتابه ( خطط الشام ) : ( وأمّا ما ذهب إليه بعض الكّتاب من أنّ أصل مذهب التشيّع من بدعة عبد الله بن سبأ المعروف بابن السوداء فهو وهم وقلة علم بحقيقة مذهبهم ، ومن علم منزلة هذا الرجل عند الشيعة وبراءتهم منه ومن أقواله وأعماله وكلام علمائهم في الطعن فيه بلا خلاف بينهم في ذلك علم مبلغ هذا القول من الصواب ) ( خطط الشام 6/246 ) .
 
 
شارك بتعليقك حول هذا الموضوع
الاسم
التعليق
من
 
جميع التعليقات خاضعة للمراقبة ، تجنباً للمشاركات الهدامة !